لا شك أن دستور 2011 وهو يعترف للقضاة بحقهم في تأسيس جمعياتهم المهنية والانتظام في إطارها كان يعي جيدا الدور الأساسي لهذه الجمعيات في تمثيل مختلف شرائح القضاة والتعبير عن همومهم واحتياجاتهم وطموحتاهم. وصحيح إن الجمعيات المهنية القضائية ليست نقابات أو أحزابا سياسية ولا يجوز لها أن تكون كذلك حفاظا على حياد القضاة واستقلالهم، لكنها في نفس الوقت ليست مجرد إطارات شكلية لترديد الخطاب الرسمي المتعلق بالشأن القضائي خاصة وكل ما هو متعلق بالعدالة والحقوق والحريات بشكل عام.
إن المتفحص لأحكام الدستور وخاصة الفصل 111 منه يعي جيدا هذه الإشارة القوية التي لم تأت عبثا وإنما لها دلالة واضحة غير قابلة لأي تأويل غير حقوقي: للقضاة الحق في حرية التعبير بما يتلاءم مع واجب التحفظ والأخلاقيات القضائية.
ويستفاد من هذا المقتضى أن القضاة شأنهم شأن باقي المواطنين يتمتعون بحقهم في ممارسة حرية التعبير كحق من الحقوق المدنية وكمظهر من مظاهر ممارسة الحريات الفردية والجماعية التي تكفل الدستور بحمايتها وضمانها، لا يقيدهم في ذلك إلا طبيعة رسالتهم القائمة على الحياد والاستقلال والنزاهة والتجرد، وهو ما فرض التزامهم -وهم يمارسون حقهم في حرية التعبير- بواجب التحفظ والأخلاقيات القضائية، حفاظا على سمعة القضاء وشرفه، واحتراما للثقة التي من المفروض أن يحظى بها لدى المواطنين والمؤسسات.
وتأكيدا على هذا التوجه نصت المادة 38من القانون التنظيمي المتعلق بالنظام الأساسي للقضاة رقم 13-106 على أنه: تطبيقا لأحكام الفقرة الأولى من الفصل 12 والفقرة الثانية من الفصل 111 من الدستور، يمكن للقضاة الانخراط في جمعيات مؤسسة بصفة قانونية وتسعى لتحقيق أهداف مشروعة، أو إنشاء جمعيات مهنية…
وهكذا يتبين أن إحالة النظام الأساسي للقضاة على الفقرة الأولى من الفصل 12 من الدستور- التي تنص على أنه: تؤسس جمعيات المجتمع المدني والمنظمات غير الحكومية وتمارس أنشطتها بحرية في نطاق احترام الدستور والقانون- إقرار صريح من القانون على الطابع المدني الحر والمستقل للجمعيات المهنية القضائية باعتبارها جمعيات غير حكومية تسعى لتحقيق أهداف مشروعة. مما يجعل الإطار القانوني لهذه الجمعيات تحكمه من جهة أولى قواعد قانون الحريات العامة، ومن جهة ثانية قواعد الدستور والنظام الأساسي للقضاة اعتبارا لخصوصية هذه الجمعيات المكونة حصرا من القضاة.
في هذا السياق قرر المجلس الدستوري بمناسبة بته في دستورية المادة 38 من النظام الأساسي للقضاة على أنه: “وحيث إن الدستور نص في الفقرة الثانية من فصله 111، على أنه يمكن للقضاة الانخراط في جمعيات، أو إنشاء جمعيات مهنية، مع احترام واجب التجرد واستقلال القضاء، وطبقا للشروط المنصوص عليها في القانون”؛
وحيث إنه، لئن كان الدستور يضمن لعموم المواطنات والمواطنين بموجب فصله 29 حق تأسيس الجمعيات، فإنه فيما يخص القضاة، ميز بمقتضى الفقرة الثانية من الفصل 111 المذكور بين الجمعيات المهنية وغيرها من الجمعيات، إذ أباح للقضاة إنشاء جمعيات مهنية بما يتضمنه ذلك، بداهة، من تسيير هذه الجمعيات التي تقتصر العضوية فيها على القضاة دون سواهم، في حين لم يخول لهم، فيما يخص سائر الجمعيات الأخرى، سوى حق الانخراط.
وحيث إن الجمعيات يمتد نشاطها عموما إلى كافة مناحي الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والحقوقية.”
ولتبرير حرمان القضاة من تأسيس جمعيات غير مهنية أو تسييرها استند المجلس الدستوري واجبات التجرد والاستقلال اللصيقة بالقضاء: “وحيث ان واجبات التجرد واستقلال القضاء، بما تستلزمه دستوريا من ضرورة حرص القاضي على استقلاله وحرمته، قد لا تتلاءم مع إنشاء القاضي لجمعيات غير مهنية وتولي مهام التسيير فيها، بما يترتب عن ذلك من مسؤولية ومساءلة تشكل من الأشكال، مطابق للدستور.
وحيث إنه تأسيسا على ذلك، فإن ما تنص عليه المادة 38 في فقرتها الأخيرة من أنه يمنع على القاضي تأسيس جمعيات غير مهنية أو تسييرها بأي شكل من الأشكال، مطابق للدستور.”
وإيمانا بالدور الرئيسي الذي يمكن أن تلعبه الجمعيات المهنية في مجال استقلال القضاء والرفع من عنصر الثقة في المؤسسات القضائية أقر المخطط الاستراتيجي للمجلس الأعلى للسلطة القضائية بإشراك الجمعيات المهنية هي هذا الورش الكبير: “اعتبارا لكون الجمعيات المهنية للقضاة شريكة في تنزيل عدد من الأوراش التي يشتغل عليها المجلس الأعلى للسلطة القضائية لاسيما فيما يتعلق بالدفاع عن استقلالية السلطة القضائية وتعزيز منظومة تخليقها، وكذا الرفع من مستوى الثقة فيها فإن المجلس حريص على تعزيز قنوات التواصل مع هذه الجمعيات وتزويدها بالمعلومة اللازمة بما يسهم في أدائها لمهامها بالفعالية المطلوبة ويجعلها مواكبة لعمل المجلس.” المخطط الاستراتيجي للمجلس 2021-2026 منشورات المجلس الأعلى للسلطة القضائية ص 87.
بعد هذه التوطئة التي أعتبرها أساسية لفهم الإطار العام الذي تنشط ضمنه الجمعيات المهنية للقضاة، وبعد مضي حوالي 14 سنة على تأسيسه عرفت حركات من المد والجزر، وبالنظر إلى الرصيد المهم الذي حققه نادي قضاة المغرب على عدة مستويات أرى أن المرحلة الحالية لها أولويات بمثابة تحديات:
التحدي الأول: ورش التخليق وتعزيز الثقة في مؤسسة القضاء.
لا شك أن مؤشر الثقة في القضاء رهين بالجانب الأخلاقي للفاعلين في مجال العدالة وعلى رأسهم أعضاء السلطة القضائية. وقد أولى الدستور والنظام الأساسي للقضاة عناية بالغة بهذا الجانب أسفرت عن تعيين الرؤساء الأولين والوكلاء العامين بمحاكم الاستئناف مستشارين للأخلاقيات القضائية، وإحداث لجنة للأخلاقيات القضائية على مستوى المجلس الأعلى للسلطة القضائية، وإصدار مدونة للأخلاقيات القضائية بمثابة مدونة سلوك يهتدي بها القضاة في نشاطهم المهني وبل وفي حياتهم الخاصة كذلك.
على هذا المستوى أعتقد أنه يتعين على نادي قضاة المغرب أن يتبنى مقاربة تحسيسية وتأطيرية بشراكة مع الفاعلين المؤسساتيين وخاصة المجلس الأعلى للسلطة القضائية والمفتشية العامة للشؤون القضائية، لتنظيم ندوات تسلط الضوء على هذا الجانب واقتراح الحلول المناسبة للرفع من منسوب الثقة في القضاء. كما يتعين أيضا التركيز على تخليق الانتخابات المهنية الرامية إلى اختيار ممثلي القضاة بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية باعتبار الدور الأساسي الذي يسهمون به كأعضاء فاعلين في المجلس.
التحدي الثاني: الدفاع عن التحصين الاقتصادي والاجتماعي القاضي.
إن صيانة كرامة القاضي وحفظ مكانته الاعتبارية في عين المجتمع تبدأ بتبوئته مقاما يتناسب مع رسالته السامية الرامية إلى إحقاق الحقوق ورفع المظالم. فالقاضي هو اللبنة الأساسية في تحقيق قضاء مستقل وقوي ونزيه. ولا يمكن إغفال وضعيته الاجتماعية والاقتصادية التي تمكنه من الاشتغال أداء لرسالته في مناخ مناسب ووضع لائق بشرف رسالته، أو كما درجت الأدبيات الفقهية على تسميته بتوفير مقام ” الكفاف والعفاف والغنى عن الناس”.
وإذا كان المخطط الاستراتيجي الخماسي 2021-2026 الذي تبناه المجلس الأعلى للسلطة القضائية يضع من بين أوراشه – الورش 8- إيلاء عناية بالغة بالوضع الاجتماعي والمادي للقضاة باعتباره عنصرا أساسيا لتحقيق الاطمئنان والراحة النفسية وتشجيعهم على مزيد من البذل والعطاء بما في ذلك السعي إلى تحسين وضعيتهم المادية والتقدم باقتراحات لتعديل النصوص المتعلقة بدرجات الترقي والسعي إلى تحسين وضعيتهم الاجتماعية والتواصل في هذا الشأن مع السلطات والمؤسسات المعنية مع مخاطبة الجهات المختصة بشأن تحسين تلك الوضعيات- انظر الإجراءات رقم 21 إلى 24 من المخطط الاستراتيجي-، فإن نادي قضاة المغرب كجمعية مهنية يمثل شريحة واسعة من القضاة عليه أن يدعم مجهودات المجلس في هذا الاتجاه ويبرز الحاجة الملحة لتحقيق تقدم ملموس في هذا الجانب سيما وأن رواتب القضاة لم تعرف زيادة منذ أواخر سنة 2013. ويترافع بشأن هذا الحق المشروع ويتخاطب ويتواصل بدون حرج مع الفاعلين المؤسساتيين وخاصة المجلس. ولا يمكن أن يعترض عليه بكون المجلس الأعلى للسلطة القضائية هو الجهة الوحيدة التي من حقها أن تتواصل في هذا الشأن وأن تتخاطب مع الجهات المختصة بشأن تحسين الوضعية المادية للقضاة، ذلك أن المجلس مؤسسة دستورية لها صلاحيات معينة، والجمعيات المهنية للقضاة بدورها هيئات تحتكم إلى أنظمتها الأساسية التي تخول لها الدفاع عن الحقوق المادية والمعنوية للقضاة دون أن تتصف بالسمة النقابية أو السياسية.
التحدي الثالث: المساهمة في النقاش العمومي المتعلق بالعدالة.
إن الدور الاقتراحي لنادي قضاة المغرب منذ تأسيسه يمثل قوة حقيقية لهذه الجمعية، يجب أن يستمر ويتعزز بمبادرات إضافية وازنة. وإذا كان هذا الدور قد تراجع نسبيا في السنوات الأخيرة فإن السبب لا يعزى إلى فتور النادي وانكماشه وإنما يرجع إلى ظروف خارجية جعلت عرض مسودات أو مشاريع النصوص القانونية للنقاش أمرا يطبعه التكتم والتعتيم. ولهذا أعتقد بأنه على نادي قضاة المغرب أن يبذل مجهودا أكثر من أجل إقناع الجهات الرسمية المعنية باقتراح النصوص التشريعية التي لها صلة بالعدالة لعرضها من أجل النقاش الجاد والنقد البناء والاقتراح الفعال دون مركب نقص أو تشكيك في سلطة التشريع التي تعتبر حكرا على السلطة التشريعية، وإنما رغبة في تجويد النص القانوني المقترح قبل صيرورته نهائيا وتفعيلا لمنطق التشاركية الذي يعتبر مبدأ دستوريا لا يتناقض مع مبدأ فصل السلط.
هشام العماري
رئيس نادي قضاة المغرب


