لا أحد ينكر دور القضاء الأساسي في مناهضة الفساد ومحاربته، إذ أن إقامة العدل لا تستقيم إلا بتجند القضاء لوضع حد لأشكال التمييز والظلم سواء كان قائمة على نفوذ المال أو الجاه أو السلطة.، إذ أن نطاق الفساد لا يقتصر على الصورة التقليدية للرشوة وإنما يتجاوزه إلى مختلف مظاهر استغلال النفوذ وتضارب المصالح.
وفي هذا السياق فإن دور القضاء يكتسي طابعا عقابيا وزجريا أكثر منه احترازيا ووقائيا. ولذا يبرز دور القضاء في محاربة الفساد في المجال الجنائي وفي المجال الإداري أكثر منه في مجالات أخرى. كما يشترك القضاء العادي، ونقصد به المؤسسات القضائية التابعة للتنظيم القضائي، مع القضاء المالي- المجلس الأعلى للحسابات والمحاكم المالية- في تحقيق الغاية من تخليق الحياة العامة وتخليصها من مظاهر الفساد الاقتصادي والمالي والسياسي.
وغني عن التذكير بأن استقلال القضاء شرط أساسي لمحاربة الفساد، فلا يجدي نفعا أن نحارب الفساد بأسلحة ضعيفة، بقضاء خاضع للتأثير، أو قضاء منحاز لمصالح أصحاب النفوذ، أو بقضاء ينخره الفساد.
ولا شك أن تخليق الحياة العامة، يتطلب من الجميع، إشاعة ثقافة مناهضة الفساد وعدم التطبيع معه. إذ أن الاكتفاء بالدور الزجري والتدخل البعدي، الذي لا يواجه إلا الحالات المحالة على القضاء، قد يخفي رقما أسودا مهولا، عن الفساد الحقيقي المنتشر في مجالات الحياة العامة.
ولهذه الغاية يتعين العمل على تحقيق مزيد من الالتقائية والتكاملية بين الأدوار الوقائية والتربوية، وبين الأدوار العقابية والزجرية: تكاملية بين عمل المؤسسات – أي تعاون فيما بينها في احترام تام لاستقلال بعضها عن البعض-، في هذا المقام يمكن الإشارة إلى الدور المهم للهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها وكذا مجلس المنافسة والمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، ومؤسسة الوسيط، والمجلس الوطني لحقوق الإنسان. وكذا تكاملية أيضا بين المؤسسات الرسمية وهيئات المجتمع المدني.
وقد لفتت انتباهي بهذا الخصوص عبارة لرئيس النيابة العامة في ختام منشوره الموجه إلى الوكلاء العامين ووكلاء الملك الصادر بتاريخ 6 يناير 2020: “أذكركم أن موضوع مكافحة الفساد يعتبر من المواضيع القارة في السياسة الجنائية، باعتباره مدخلا أساسيا من مداخل تخليق الحياة العامة وتحسين مناخ الأعمال. وليس موضوع حملة مؤقتة أو مجرد اهتمام ظرفي محصور في الزمن، لذلك يجب أن تستمر الجهود المبذولة بهذا الخصوص…”.
حضرات السيدات والسادة، إن السلطة القضائية ببعدها المؤسساتي والدستوري مدعوة إلى مناهضة الفساد والمساهمة في تخليق الحياة العامة، ولأجل ذلك يجب أن تتوفر في هذه السلطة مقومات الاستقلال والقوة، ومقومات النزاهة والعدل. إذ أن حماية الأمن القضائي للأشخاص والجماعات وحرياتهم تعتبر من المهام الرئيسية للقاضي قبل مهمته التقليدية المتمثلة أساسا في تطبيقا القانون وفق المفهوم من منطوق الفصل 117 من الدستور. كما أن خضوع الجميع لقوة الأحكام القضائية دليل على سمو أحكام السلطة القضائية وفق منطوق الفصل 126 من الدستور الذي نص بالحرف على أن: الأحكام النهائية الصادرة عن القضاء ملزمة للجميع. كما نص على ضرورة تعاون – بصيغة الإلزام لا التطوع- السلطات العمومية مع السلطة القضائية لتمكين هذه الأخيرة من إجراء المحاكمة في أحسن الظروف، تنص الفقرة الثانية من نفس الفصل على أنه: “يجب على السلطات العمومية تقديم المساعدة اللازمة أثناء المحاكمة إذا صدر الأمر إليها بذلك. ويجب عليها المساعدة في تنفيذ الأحكام”.
إذن فالإرادة الدستورية التي كرست إرادة جلالة الملك وإرادة الشعب، كانت حاسمة في هذا الاختيار: اختيار منح السلطة القضائية الصلاحيات اللازمة، لحماية الأمن القانوني والقضائي، وإقامة العدل والحرص على المساواة، وتحقيق غايات تخليق الحياة العامة. إذ أن الفساد- وكما جاء على لسان منشور رئيس النيابة العامة المشار إليه، يعتبر آفة تهدد مختلف خطابات التنمية، وتقوض سيادة القانون، وتضعف ثقة المواطنين والمستثمرين في المنظومة القانونية والمؤسساتية الوطنية.
القضاء إذن مدعو بجناحيه: جناح النيابة العامة أو القضاء الواقف، وجناح قضاء الحكم أو القضاء الجالس، للقيام بأدواره الحاسمة في مناهضة الفساد. فمن جانب النيابة العامة -التي حظيت بالاستقلال عن السلطة التنفيذية الممثلة في وزير العدل سابقا- تم الارتقاء بوجوب الالتزام بالتعليمات الكتابية القانونية إلى مستوى المبدأ الدستوري. وقد عمل رئيس النيابة العامة على حث أعضاء النيابة العامة من خلال عدة دوريات ومناشير على إيلاء محاربة الفساد الأولوية والعناية اللازمة، كما عمل على تفعيل آلية التبليغ عن الفساد عبر الخط المباشر أو الخط الأخضر، وعمل أيضا على تنظيم دورات تكوينية لأعضاء النيابة العامة في هذا المجال. كما كانت رئاسة النيابة العامة منذ توليها مهامها في الشكل الجديد سباقة إلى طرح موضوع مناهضة الفساد عبر دوريتها رقم 01 بتاريخ 7 أكتوبر 2017 بأن جعلت تخليق الحياة العامة وحماية المال العام من أولويات السياسة الجنائية. لكن مع ذلك يحق لنا أن نتساءل عما إذا كان التعديل الذي أدخله قانون المسطرة الجنائية الجديد عبر المادة الثالثة منه يعتبر عائقا أو حاجزا شكليا ومسطريا يحول دون التدخل التلقائي للنيابة العامة في معالجة الوقائع المرتبطة بالاختلالات الماسة بالمال العام، علما بأن الدستور المغربي في الفصل 36 كان صريحا في تجريم الأفعال المنافية لحسن سير المرافق العامة والمخالفات الماسة بالمال العام. ينص الفصل المذكور على أنه: “يعاقب القانون على المخالفات المتعلقة بحالات تنازع المصالح، وعلى استغلال التسريبات المخلة بالتنافس النزيه، وكل مخالفة ذات طابع مالي.
على السلطات العمومية الوقاية، طبقا للقانون، من كل أشكال الانحراف المرتبطة بنشاط الإدارات والهيئات العمومية، وباستعمال الأموال الموجودة تحت تصرفها، وبإبرام الصفقات العمومية وتدبيرها، والزجر عن هذه الانحرافات.
يعاقب القانون على الشطط في استغلال مواقع النفوذ والامتياز، ووضعيات الاحتكار والهيمنة، وباقي الممارسات المخالفة لمبادئ المنافسة الحرة والمشروعة في العلاقات الاقتصادية…”.
هذا من جانب قضاء النيابة العامة، وأما من جانب قضاء الحكم فإن التقارير السنوية للمجلس الأعلى للسلطة القضائية حافلة بالإحصائيات المنجزة في هذا المجال- هكذا فقد تطور عدد القضايا المحكومة من طرف أقسام جرائم الأموال بين سنة 2018 إلى سنة 2024 من 230 إلى 416 كما عرفت محكمة الاستئناف بالرباط تسجيل أكبر عدد من القضايا المحكومة طيلة هذه الفترة بواقع 702 قضية أي بنسبة 32 في المائة من مجموع القضايا المحكومة على الصعيد الوطني-. وتبقى الضمانات الدستورية لاستقلال السلطة القضائية صمام أمان لتعزيز دور السلطة القضائية في مواجهة الفساد، إذ ينص الفصل 107 من الدستور على أن: “السلطة القضائية مستقلة عن السلطة التشريعية وعن السلطة التنفيذية. الملك هو الضامن لاستقلال السلطة القضائية”. كما ينص الفصل 108 بأنه: “لا يعزل قضاة الأحكام ولا ينقلون إلا بقانون”. ويضيف الفصل 109 في مقتضى صريح يخاطب جميع الأشخاص والجهات بتنصيصه على أنه: “يمنع كل تدخل في القضايا المعروضة على القضاء. ولا يتلقى القاضي بشأن مهمته القضائية أي أوامر أو تعليمات ولا يخضع لأي ضغط.
يجب على القاضي، كلما اعتبر أن استقلاله مهدد، أن يحيل الأمر إلى المجلس الأعلى للسلطة القضائية.
يعد كل إخلال من القاضي بواجب الاستقلال والتجرد خطأ مهنيا جسيما، بصرف النظر عن المتابعات القضائية المحتملة.
يعاقب القانون كل من حاول التأثير على القاضي بكيفية غير مشروعة”.


