طعن النيابة العامة ببطلان الأحكام القضائية بعلة مخالفة النظام العام.
جاء في قرار المحكمة الدستورية الصادر بتاريخ 4-8-2025 بأن:
” في شأن المادة 17 (الفقرة الأولى):
حيث إن الفقرة الأولى من هذه المادة تنص على أنه: “يمكن للنيابة العامة المختصة، وإن لم تكن طرفا في الدعوى، ودون التقيد بآجال الطعن المنصوص عليها في المادة السابقة، أن تطلب التصريح ببطلان كل مقرر قضائي يكون من شأنه مخالفة النظام العام، داخل أجل خمس سنوات من تاريخ صيرورة المقرر القضائي حائزا لقوة الشيء المقضي به.”؛ وحيث إنه، بالرجوع إلى الدستور، فإنه ينص في:
- الفقرة الأولى من الفصل السادس منه، بصفة خاصة، على أن: “القانون هو أسمى تعبير عن إرادة الأمة…”،
- الفصل 117 منه، على أنه: “يتولى القاضي حماية حقوق الأشخاص والجماعات… وأمنهم القضائي…”،
- الفقرة الأولى من الفصل 126 منه على أن: “الأحكام النهائية الصادرة عن القضاء ملزمة للجميع”؛
وحيث إنه، يستفاد من أحكام فصول الدستور المستدل بها في ترابطها وتكاملها، وعلاقة بالنص المعروض أنه لا يسوغ، في ظل الدستور، أن يتم التصريح ببطلان المقرر القضائي الحائز لقوة الشيء المقضي به، إلا من السلطة القضائية المستقلة، التي يمارسها القضاة المزاولون فعليا مهامهم القضائية بمحاكم التنظيم القضائي، طبقا للفقرة الأخيرة من المادة الثانية من القانون التنظيمي المتعلق بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية؛ وحيث إنه، وإن كان القانون قد أسند إلى النيابة العامة المختصة، وهي التي تناط بها حماية النظام العام والعمل على صيانته، طلب التصريح ببطلان المقرر القضائي المشار إليه في الفقرة الأولى من المادة 17 المعروضة، مما لا يشكل، في حد ذاته، مخالفة للدستور، فإن نفس الدستور كفل بمقتضى مبدأ الأمن القضائي، للمحكوم لصالحهم الحق في تمسكهم بحجية المقررات القضائية الحائزة لقوة الشيء المقضي به، وإنفاذ آثارها؛ وحيث إنه، وإن كانت حماية المشرع للنظام العام في مجال التنظيم الإجرائي للدعاوى المدنية، تشكل في حد ذاتها، هدفا مشروعا لا يخالف الدستور، فإنه يتعين على المشرع، عند مباشرة ذلك، استنفاذ كامل صلاحيته في التشريع، والموازنة بين الحقوق والمبادئ والأهداف المقررة بموجب أحكام الدستور أو المستفادة منها، على النحو الذي سبق بيانه؛ وحيث إن صيغة الفقرة الأولى من المادة 17 المعروضة، خلت من التنصيص على حالات محددة يمكن فيها للنيابة العامة المختصة طلب التصريح ببطلان المقررات القضائية الحائزة لقوة الشيء المقضي به التي يكون من شأنها مخالفة النظام العام، واكتفت بتخويل هذه الصلاحية للنيابة العامة المختصة، تأسيسا على هذه العلة، ومنحت، تبعا لذلك، للنيابة العامة، طالبة التصريح بالبطلان، وللجهة القضائية التي تقرره، سلطة تقديرية غير مألوفة تستقل بها دون ضوابط موضوعية يحددها القانون، بما يتجاوز نطاق الاستثناء على حجية المقررات القضائية الحائزة لقوة الشيء المقضي به، ويمس بمبدأ الأمن القضائي، فيكون المشرع بذلك، قد أغفل تحديد ما أسنده له الدستور في مجال التنظيم الإجرائي للدعاوى الخاضعة للمسطرة المدنية، ضمن النطاق الموضوعي للبند التاسع من الفقرة الأولى من الفصل 71 من الدستور؛ وحيث إنه، تبعا لذلك، تكون الفقرة الأولى من المادة 17 المعروضة، غير مطابقة للدستور؛”
التعليق:
من خلال منطوق الفقرة الأولى من المادة 17 من قانون المسطرة المدنية رقم 23-02 خول المشرع للنيابة العامة إمكانية تقديم طلب بطلان كل حكم قضائي بسبب مخالفته للنظام العام خلال أجل يمتد إلى خمس سنوات ابتداء من تاريخ صيرورة المقرر القضائي حائزا لقوة الشيء المقضي به.
ويتبين من خلال المادة المذكورة أن المشرع المسطري خول للنيابة العامة الصفة في الطعن في جميع المقررات الحائزة لقوة الشيء المقضي به بالبطلان من أجل مخالفة النظام العام بغض النظر عما إذا كانت طرفا في الدعوى والمقرر المطعون فيه أم لا. وسواء كان الحكم صادرا عن محاكم درجة أولى أو عن محاكم درجة ثانية أو عن محكمة النقض عندما تبت كمحكمة موضوع- بالرغم من أن المشرع لم يستثن قرارات محكمة النقض كمحكمة قانون-، كما خول لها أجلا استثنائيا للطعن لا يتمتع به حتى أطراف الدعوى وهو أجل 5 سنوات ليس من تاريخ النطق وإنما من تاريخ صيرورة الحكم حائزا لقوة الشيء المقضي به فيما يشبه نوعا ما تعرض الغير الخارج عن الخصومة. وهذا توجه تشريعي غريب يحاول أن يجعل من النيابة العامة طرفا أصيلا في الدعاوى المدنية بسلطات استثنائية بدعوى حماية النظام العام. كما قد يفهم منه التخلي عن التوجه الليبرالي التحرري إلى توجه يقترب من التوجه الرقابي.
كما أن المادة المذكورة لم تجعل أثر البطلان مقررا لفائدة القانون فقط وإنما جعلته مؤثرا على المراكز القانونية للأطراف بما يضرب مبدأ نسبية الأحكام القضائية والحقوق المكتسبة للمتقاضين ويمس كما عبرت عن ذلك المحكمة الدستورية صراحة بمبدأ الأمن القضائي. ويمس أيضا – في نظرنا- مبدأ المساواة بين أطراف الدعوى.
إن صيغة العموم والإطلاقية التي أتت به المادة 17 من قانون المسطرة المدنية جعلت المحكمة الدستورية لا تتردد في التصريح بعدم مطابقة المادة المذكورة للدستور مستندة إلى عدة مبادئ دستورية ينظر إليها بشكل مترابط وتكاملي وفق الآتي:
- “القانون هو أسمى تعبير عن إرادة الأمة…”، بمعنى أنه إذا كانت السلطة التشريعية لها صلاحية سن القوانين والتشريعات إلا أن هذه السلطة غير مطلقة وإنما هي مرهونة بضرورة التعبير عن صوت الأمة، ولذلك عرف الدستور القانون بأنه أسمى تعبير عن إرادة الأمة. بمعنى أنه يعكس طموحات الأمة ولا يرضي جهة معينة بذاتها أو يغلب منطق الدولة على منطق حقوق الأفراد والجماعات.
- يتولى القاضي حماية الأمن القضائي. بمعنى أن ولاية القضاء لا تقتصر على البت في النزاعات القضائية فقط وتطبيق القانون فقط وإنما تتجاوز ذلك لتحقيق الاستقرار في المعاملات ولتضمن الحقوق المكتسبة للأطراف الناتجة عن ممارسة حقهم في التقاضي حتى لا يفرغ هذا الحق من محتواه، وحتى لا يبقى الحق القضائي المكتسب مهددا بين الفينة والأخرى بالبطلان والإلغاء.
- الأحكام النهائية الصادرة عن القضاء ملزمة للجميع. بمعنى أن مبدأ نسبية الأحكام القضائية هو حق يتمسك به الطرف المحكوم لفائدته وفي نفس الوقت هو حق يخول لهذا الأخير مواجهة كل من هو مخاطب بتنفيذ الحكم القضائي، ومن بين المخاطبين بتنفيذ الأحكام القضائية مختلف الإدارات العمومية المعنية وكذا سلطة النيابة العامة باعتبار أنها مكلفة بتسخير القوة العمومية لتنفيذ الأحكام القضائية الحاملة للصيغة التنفيذية والصادرة باسم جلالة الملك وطبقا للقانون. وإذا كانت النيابة العامة ملزمة بتنفيذ الأحكام القضائية فلا يعقل أن تلجأ إلى تعطيل هذه القوة الإلزامية باستغلال مكنة التماس البطلان لتلغي الأحكام القضائية الحائزة على قوة الشيء المقضي به بعلة مخالفتها للنظام العام. وجدير بالذكر أنه إذا كان قضاة النيابة العامة ينتمون إلى السلطة القضائية فإن خصوصية النيابة العامة لا تجعلها قضاء للحكم وإنما تجعلها طرفا في الدعوى عندما يخول لها القانون ذلك سواء عن طريق تحريك الدعوى أو جوابها عن الدعوى أو ممارستها لطرق الطعن في الأحكام. أي سواء كانت طرفا أصليا أو طرفا منضما. وأن ما يميز النيابة العامة عن باقي الأطراف العاديين في التقاضي هو التزامها بالحياد والدفاع عن القانون وعن الحق العام وليس عن المصالح الخاصة التزاما منها بصفتها القضائية التي تجعلها من مكونات السلطة القضائية وفق ما أقره الدستور وكرسه المجلس الدستوري في قراره رقم 16-992 الصادر بتاريخ 15-3-2016 :”وحيث إنه يبين من مجموع الأحكام المذكورة أن الدستور أضفى صفة قضاة على قضاة الأحكام وعلى قضاة النيابة العامة معا، مما يجعلهم جميعا منتمين إلى السلطة القضائية -وهي سلطة موحدة- ومشمولين تبعا لذلك بصبغة الاستقلال اللصيقة بهذه السلطة.”
- الموازنة بين الحقوق والمبادئ والأهداف المقررة بموجب أحكام الدستور. بمعنى أن إمكانية ممارسة النيابة العامة لحقها في التماس بطلان بعض الأحكام القضائية ليست مستحيلة أو ممنوعة منعا مطلقا. وإنما إمكانية استثنائية، كما وعلى المشرع أن يتعامل مع الاستثناء في حدود ضيقة احتراما لمبدأ الأمن القضائي وحجية الأحكام المكتسبة لقوة الشيء المقضي به والقوة الإلزامية للأحكام، كما أنه على المشرع أن يوازن بين الحقوق والمبادئ والأهداف المقررة بموجب أحكام الدستور لتنظيم إمكانية من هذا القبيل يحرص فيها بصفة خاصة على:
أولا: تحديد حالات معينة لمخالفة النظام العام، سيما وأن مفهوم النظام العام نسبي ومطاط وحمال ذو أوجه باعتبار الغموض الذي قد يشوبه. وقد تمادى مشرع المسطرة المدنية في إطلاق صيغة بطلان الأحكام القضائية لمجرد شبهة النظام العام حسب صيغة المادة 17 التي ورد فيها: التصريح ببطلان كل مقرر قضائي يكون من شأنه مخالفة النظام العام. وهي الصيغة التي تذكرنا بقانون كل ما من شأنه…
ثانيا: عدم منح قضاة النيابة العامة وقضاة الحكم سلطة تقديرية غير مألوفة دون ضوابط موضوعية يحددها القانون، بما يتجاوز نطاق الاستثناء على حجية المقررات القضائية الحائزة لقوة الشيء المقضي به، ويمس بمبدأ الأمن القضائي.
ثالثا: عدم إغفال تحديد ما أسنده له – أي المشرع- الدستور في مجال التنظيم الإجرائي للدعاوى الخاضعة للمسطرة المدنية. بمعنى أن الإغفال التشريعي لمقتضيات معينة تضمن احترام المبادئ الدستورية للحقوق والحريات الأساسية للمواطنين يعتبر في حد ذاته سببا للقول بعدم دستورية قانون معين. وأنه يتوجب على المشرع أن يستنفذ كامل صلاحيته للتشريع لا أن يقف عند ويل للمصلين…
وأخيرا يمكن القول بأنه إذا كان القانون هو أسمى تعبير عن إرادة الأمة فإن الحرص على إنتاج وإصدار وإخراج قانون أساسي من قبيل قانون المسطرة المدنية في المستوى المأمول لا يمكن أن ينجح إلا عبر اتباع منهج تشاركي وتشاوري وفق المبادئ الدستورية خاصة عن طريق الاستماع إلى رأي الخبراء القانونيين من مختلف التخصصات والاستفادة من ملاحظاتهم واقتراحاتهم.
هشام العماري
رئيس نادي قضاة المغرب


