بمناسبة الندوة المنظمة بشركة مع نادي قضاة المغرب حول موضوع:
“مستجدات قانون المسطرة الجنائية وإصلاح السياسة الجنائية بالمغرب”
يوم السبت 14 مارس 2026
فندق داوليز، سلا.
بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على سيدنا محمد أشرف المرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين
- السيد ممثل السيد الرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية؛
- السيد رئيس نادي قضاة المغرب؛
- السيدات والسادة القضاة الأفاضل؛
- حضرات السيدات والسادة كل باسمه وصفته والتقدير الواجب له.
يشرفني أن أشارككم افتتاح أشغال هذا اللقاء العلمي الذي ينظمه نادي قضاة المغرب حول موضوع “مستجدات قانون المسطرة الجنائية وإصلاح السياسة الجنائية بالمغرب”، وهو موضوع يحظى بأهمية بالغة، ليس فقط بالنظر إلى راهنيته التشريعية، ولكن أيضاً لما له من أثر مباشر في سير العدالة الجنائية، وفي قدرتها على تحقيق غاياتها في حماية النظام العام، وصيانة الحقوق والحريات، وضمان شروط المحاكمة العادلة.
ولا يفوتني، في مستهل هذا اللقاء، أن أتقدم بخالص عبارات الشكر والتقدير إلى نادي قضاة المغرب على تنظيم هذه الندوة العلمية، بما توفره من فضاء جاد للحوار القانوني الرصين، ولتبادل الرؤى بشأن مستجدات تشريعية هامة، وما تفتحه من آفاق للتفكير المشترك في سبل التنزيل السليم لمقتضياتها، وفي رهاناتها العملية والمؤسساتية.
حضرات السيدات والسادة الأفاضل؛
تأتي أهمية هذا اللقاء من كونه ينعقد في سياق مواكبة صدور القانون رقم 03.23 المغير والمتمم للقانون رقم 22.01 المتعلق بالمسطرة الجنائية، وهو نص تشريعي يندرج ضمن ورش وطني متواصل يروم تحديث منظومة العدالة، واستكمال بناء عدالة جنائية أكثر نجاعة وفعالية، وأكثر قدرة على الاستجابة للتحولات الدستورية والمؤسساتية والحقوقية التي تشهدها بلادنا، تحت القيادة الرشيدة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله.
ولا مراء في أن مراجعة قانون المسطرة الجنائية ليست مجرد تعديل ظرفي لبعض القواعد الإجرائية، وإنما تعكس في جوهرها توجهاً تشريعياً ومؤسساتياً يروم إعادة تنظيم التوازن بين مقتضيات الفعالية في مكافحة الجريمة، وبين متطلبات حماية الحقوق والحريات الفردية، في أفق تعزيز الثقة في العدالة، وتكريس الأمن القانوني والقضائي، وتجويد أداء مختلف المتدخلين في حقل العدالة الجنائية.
إذ يعد قانون المسطرة الجنائية من أهم النصوص القانونية المؤطرة للعدالة الجنائية، بالنظر لما ينظمه من قواعد تحكم آليات البحث والتحري، والمتابعة، والتحقيق، والمحاكمة، والتنفيذ. ومن ثم، فإن كل تعديل يهم هذا القانون لا يقف أثره عند حدود إعادة ترتيب بعض الإجراءات أو إعادة توزيع بعض الاختصاصات والصلاحيات، وإنما يمتد إلى صلب السياسة الجنائية ذاتها، باعتبار أن هذه الأخيرة لا تتحدد فقط بما يحدد القانون الموضوعي من جرائم وما يقرره من جزاءات، بل تتشكل أيضاً من خلال الكيفية التي تنظم بها الدولة مسار تدبير الدعوى العمومية، وتحدد بها صلاحيات المتدخلين فيها، وتوازن من خلالها بين سلطتي الاتهام والتحقيق وضمانات الدفاع، وبين حماية المجتمع وصيانة حقوق الأفراد.
ومن هذا المنطلق، فإن حديثنا اليوم عن مستجدات قانون المسطرة الجنائية هو، في العمق، حديث عن اختيارات السياسة الجنائية ببلادنا، وعن الكيفية التي يراد بها بناء عدالة جنائية حديثة، متوازنة، فعالة، ومتشبثة في الآن نفسه بالمرجعيات الدستورية والحقوقية التي تؤطر دولة الحق والقانون. ذلك أن الطريقة التي يحددها القانون لمباشرة الإجراءات من قبل أجهزة العدالة الجنائية هي في جوهرها تعبير عن التصور التشريعي للعدالة، ولحدود التدخل في حرية الأفراد وحقوقهم.
وقد جاء هذا الإصلاح مستنداً إلى مرجعيات واضحة ومترابطة، في مقدمتها أحكام دستور المملكة، بما يكرسه من مبادئ سمو القانون، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وضمان المحاكمة العادلة، وصيانة قرينة البراءة، وحماية الحقوق والحريات. كما يستند إلى الالتزامات الدولية للمملكة في مجال حقوق الإنسان، وإلى التوجهات الوطنية الرامية إلى تطوير العدالة الجنائية، وتحديث آلياتها، وتعزيز نجاعتها، والانفتاح بها على المقاربات الحديثة، بما في ذلك ما يتصل بالعدالة التصالحية، وحماية الضحايا، وتدعيم الضمانات القانونية المقررة للأطراف.
ومن هذه الزاوية، فإن هذا اللقاء العلمي لا ينحصر في مجرد عرض للمستجدات التشريعية، وإنما يفتح المجال لمساءلة أبعادها العميقة، واستجلاء فلسفتها العامة، والوقوف على آثارها المنتظرة في الممارسة القضائية، سواء من حيث تعزيز فعالية أجهزة العدالة الجنائية، أو من حيث ترسيخ الضمانات المقررة لمختلف أطراف الدعوى العمومية، أو من حيث تمكين النص الإجرائي من مواكبة التحولات التي تعرفها الجريمة في أنماطها ووسائلها وامتداداتها.
حضرات السيدات والسادة الأكارم،
لقد تضمن القانون رقم 03.23 مجموعة من المستجدات التي تهم بشكل مباشر عمل النيابة العامة في مختلف مستويات تدخلها، سواء على مستوى تلقي الشكايات والوشايات ومعالجتها، أو على مستوى الإشراف على الأبحاث وتوجيهها، أو في علاقتها بالتظلمات من قرارات الحفظ، أو في ما يرتبط بإقامة الدعاوى العمومية وممارستها وما يقتضيه الأمر من إصدار القرارات والأوامر الضرورية، أو غير ذلك من المقتضيات التي لها أثر عملي مباشر على التدبير اليومي للقضايا وعلى كيفية ممارسة الاختصاصات المسندة إلى النيابة العامة.
وإذا كان استيعاب هذه المستجدات، في بعدها النصي المباشر، قد لا يثير صعوبة كبيرة، فإن الإشكال الحقيقي يبرز على مستوى فهمها الدقيق، وتأويلها السليم، وتكييفها العملي في سياق الممارسة القضائية. ذلك أن نجاح الإصلاح التشريعي لا يتوقف على مجرد صدور النصوص، وإنما يرتبط، أساساً، بحسن إدراك فلسفة هذه المستجدات، وتوحيد طريقة تنزيلها، والقدرة على تصريف مقتضياتها في ممارسة قضائية منضبطة، منسجمة، وفعالة.
ومن ثم، فإن الرهان الأساس كما تتمثله رئاسة النيابة العامة لا يتعلق فقط بتقديم قراءة وصفية للمقتضيات الجديدة، وإنما يتصل أساساً ببلورة فهم رصين لها، يستحضر سياقها، ويستوعب غاياتها، ويقارب مختلف آثارها العملية، بما يضمن انسجام التطبيق، ويحد من تفاوت الممارسة، ويكرس الأمن القانوني الذي يعد أحد المقومات الأساسية لحسن سير العدالة.
حضرات السيدات والسادة المحترمون؛
إن رئاسة النيابة العامة، بحكم موقعها القانوني والمؤسساتي، وبالنظر إلى ما تضطلع به من مهام في مجال السهر على حسن سير النيابات العامة، والإشراف على تنفيذ السياسة الجنائية، ومراقبة التطبيق السليم للقانون، تولي أهمية بالغة لمواكبة هذا الورش التشريعي، وتعتبر أن حسن تنزيل مستجداته يقتضي تعبئة جماعية قائمة على الفهم الدقيق للنص، والاستحضار الواعي لمراميه، والحرص على تفعيل مقتضياته في انسجام تام مع المبادئ المؤطرة للعدالة الجنائية.
وفي هذا الإطار، فإن رئاسة النيابة العامة تؤكد على أن تنزيل المستجدات التشريعية الجديدة لا ينبغي أن يتم في منأى عن المرجعيات الدستورية والكونية الناظمة للعدالة الجنائية، وفي مقدمتها المساواة أمام القانون، واحترام الكرامة الإنسانية، وصيانة قرينة البراءة، وضمان حقوق الدفاع، وتأمين شروط المحاكمة العادلة، وحماية حقوق جميع أطراف الدعوى العمومية، بما في ذلك الضحايا، والمشتبه فيهم، والمتهمون، والشهود، والمبلغون. ذلك أن فعالية العدالة الجنائية لا تقاس فقط بقدرتها على الزجر والمتابعة، وإنما تقاس كذلك بمدى احترامها للضمانات، وبقدرتها على تحقيق التوازن بين إنفاذ القانون وواجب صون الحقوق والحريات.
كما أن هذا التنزيل يقتضي الوعي بأن السياسة الجنائية، في بعدها الحديث، لم تعد تختزل في مجرد مكافحة الجريمة، بل أصبحت مجالاً لتدبير متوازن لمختلف المصالح والحقوق، بما يفرض اعتماد مقاربة عقلانية ومنفتحة، تراعي تطور الظاهرة الإجرامية، وتستجيب لحاجات المجتمع للأمن والطمأنينة، دون تفريط في المكتسبات الحقوقية التي راكمتها بلادنا في مسارها الإصلاحي.
ولذلك، فإن مثل هذه اللقاءات العلمية تشكل مناسبة مؤسساتية ثمينة لتبادل الرأي، وتعميق النقاش، واستشراف الصعوبات العملية الممكنة، وتقاسم التصورات الكفيلة بتوحيد العمل القضائي، وتجويد الأداء، وإحاطة الممارسة بما يلزمها من وضوح وانسجام وانضباط.
وفي الختام، أجدد عبارات الشكر والتقدير للجهة المنظمة، ولكافة السيدات والسادة المشاركين في هذا اللقاء العلمي، مع متمنياتي لأشغاله بكامل التوفيق والسداد، حتى يكون مناسبة موفقة لإغناء النقاش القانوني والقضائي حول مستجدات قانون المسطرة الجنائية، بما يسهم في دعم مسار إصلاح السياسة الجنائية ببلادنا، ويعزز نجاعة العدالة الجنائية، في ظل تشبث راسخ بثوابت دولة الحق والقانون.
حفظ الله مولانا الإمام، صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله وأيده، وأدام عليه نعمة الصحة والعافية، وأقر عينه بولي عهده صاحب السمو الملكي الأمير الجليل مولاي الحسن، وشد أزره بصنوه السعيد الأمير مولاي رشيد، وسائر أفراد الأسرة الملكية الشريفة، إنه سميع مجيب.
والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
تلاها بالنيابة الأستاذ أحمد والي علمي الكاتب العام لرئاسة النيابة العامة


