بمناسبة الندوة المنظمة بشراكة بين نادي قضاة المغرب ورئاسة النيابة العامة
حول موضوع: “مستجدات قانون المسطرة الجنائية وإصلاح السياسة الجنائية بالمغرب”
بسم الله، والصلاة والصلام على أشرف المرسلين.
- السيد ممثل رئيس النيابة العامة.
- السيد عضو المجلس الأعلى للسلطة القضائية.
- السادة المسؤولون القضائيون.
- السادة ممثلوا الجمعيات المهنية القضائية.
- السادة القضاة الحاضرون معنا.
- الحضور الكريم كل باسمه وصفته والتقدير الواجب له.
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته. ومرحبا بكم وبنا في هذا الفضاء، الذي اعتدنا منذ سنوات، أن ننظم فيه، أمسية علمية قانونية في هذا الشهر الفضيل، نسأل الله أن يجعلها في ميزان الحسنات.
نجتمع في هذا اللقاء القانوني والفكري، من أجل عرض ومناقشة موضوع، في غاية الأهمية، يصب في صميم اهتمام مختلف الفاعلين في مجال العدالة، كما يصب في اهتمام المجتمع كافة، ألا وهو موضوع: مستجدات قانون المسطرة الجنائية وإصلاح السياسة الجنائية.
حضرات السيدات والسادة، إن اختيار موضوع هذه الورشة العلمية المؤطرة من طرف نخبة قضائية وقانونية وجامعية متميزة، كان موفقا. فهو يواكب نقاشا مجتمعيا ومهنيا، يجمع على ضرورة إحداث إصلاحات هامة في منظومة العدالة، أملا في ارتفاع منسوب ثقة المتقاضين في القضاء بصفة خاصة، وفي العدالة بشكل عام.
إن صدور قانون المسطرة الجنائية الجديد، لم يكن ترفا تشريعيا، وإنما كان ضرورة موضوعية، اقتضاها التزام المغرب بملاءمة تشريعاته، للقواعد الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان، ومواكبة مسلسل رفع التحفظات، إزاء بعض مضامين الاتفاقيات الدولية. فضلا عن مرجعية الخطاب الملكي ل: 20 غشت 2009 والذي شكل خارطة طريق لإصلاح العدالة. كما يجب ألا ننسى تأثير توصيات هيئة الإنصاف والمصالحة، وتوصيات المناظرة الوطنية، حول السياسة الجنائية المنظمة بمكناس سنة 2004، وتوصيات النموذج التنموي الجديد. وبعد إقرار دستور 2011، شكلت خلاصات وبنود الميثاق الوطني لإصلاح منظومة العدالة، وثيقة مرجعية مهمة، كما شكل تكريس مبدأ استقلال النيابة العامة عن السلطة التنفيذية، إصلاحا مركزيا لا يمكن تجاهله، في سبيل إرساء مبدأ دولة الحق والقانون. وأيضا شكلت المبادئ القضائية التي أقرتها المحكمة الدستورية، بمناسبة نظرها في دستورية القوانين التنظيمية، المتعلقة بالسلطة القضائية، وكذا دستورية قانون التنظيم القضائي، بوصلة لتوجيه المشرع المسطري الجنائي في هذا الموضوع. وكنا نأمل أن يعرض مشروع قانون المسطرة الجنائية قبل دخوله حيز التنفيذ – في إطار الرقابة القبلية- على أنظار المحكمة الدستورية لفحص شرعيته الدستورية والقانونية، سدا للذرائع، وحسما للعديد من النقاشات القانونية والحقوقية.
حضرات السيدات والسادة، إن موضوع إصلاح السياسة الجنائية، في ضوء مستجدات قانون المسطرة الجنائية، تتقاطع فيه عدة أسئلة، بدء من مبدأ الشرعية الجنائية، ومرورا بمبادئ احترام قرينة البراءة، وضمان قواعد المحاكمة العادلة وحقوق الدفاع، وانتهاء بإقرار سياسة عقابية تضمن الردع والعلاج في ذات الوقت.
سيداتي وسادتي، إن الإصلاحات التي باشرها المغرب في مجال العدالة الجنائية منذ حصوله على الاستقلال، انطلاقا من قانون 1959 و ظهير الإجراءات الانتقالية لسنة 1974، وكذا محطة القانون رقم 01-22، وصولا إلى قانون المسطرة الجناية الجديد الذي دخل حيز التنفيذ، يوم الثامن من شهر دجنبر 2025، تعبر بشكل جلي عن الاهتمام المتزايد للدولة، بموضوع العدالة الجنائية، وما يرتبط به من ضمان أمن المجتمع وحمايته من الجريمة، التي أصبحت تتطور بشكل لافت إن على المستوى الوطني أو على المستوى الدولي، بما لا يتعارض مع حماية الحقوق والحريات لجميع المواطنين، سواء من طرف جهات إنفاذ القانون، أو من طرف السلطات القضائية. وهو ما يفرض ضرورة تحقيق التوازن في معادلة صعبة ودقيقة: كيف يمكن للدولة أن تمارس سيادتها وسلطتها في حماية الأفراد والجماعات، من خطر الجريمة وأضرارها؟ وإيقاع العقاب على المخالفين للقوانين، بما تحتكره من سلطة شرعية وقانونية لممارسة العنف والجبر، دون أن تزيغ عن مبادئ حقوق الإنسان المتعارف عليها عالميا، من احترام لكرامة الإنسان وضمان حقه في محاكمة عادلة، وفي معاملة كريمة في جميع مراحل البحث والتحقيق والمحاكمة، وكذا خلال وأثناء تنفيذه للعقوبة المحكوم بها.
الحضور الكريم، في هذا السياق، إن موضوع مستجدات قانون المسطرة الجنائية وإصلاح السياسة الجنائية، مناسبة لمناقشة مدى فعالية أو نجاعة المبادئ التوجيهية، للقانون الإجرائي الجديد من قبيل: مبادئ الإنصاف والحضورية والمساواة أو التوازن بين حقوق مختلف الأطراف. ومبادئ الفصل بين سلطات مباشرة وممارسة الدعوى العمومية وسلطات هيئات التحقيق وهيئات الحكم. ومبادئ تمتيع كل شخص بالحق في العلم بجميع أدلة الإثبات الموجهة ضده ومناقشتها، ومبادئ الحق في المؤازرة بمحام في مختلف مراحل البحث والتحقيق والمحاكمة، ومبادئ سهر السلطة القضائية على الإخبار، وكذا ضمان حقوق الضحايا، ومبادئ البت والفصل داخل آجل معقول، ومبادئ الحق في ممارسة الطعون، ومبادئ حماية الحياة الخاصة للمتهمين والضحايا…
لأجل كل ما سبق، نجتمع في هذا اللقاء بثلة من القضاة والخبراء القانونيين لتسليط الضوء على موضوع آفاق إصلاح السياسة الجنائية في ضوء القواعد المسطرية المستحدثة والاستفادة من مداخلاتهم وإغنائها بالتفاعل والنقاش من طرف هذا الحضور المتميز.
ختاما، أتمنى لأشغال هذه الورشة النجاح والتوفيق. وأن تكون بداية لتعاون مستقبلي مثمر، كما أتقدم بالشكر الجزيل للسيد رئيس النيابة العامة، على المشاركة والدعم والمساندة.
وفقنا الله جميعا لما يحبه ويرضاه.
شكرا لكم على حسن الاستماع. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وحرر بسلا في 14 مارس 2026
هشام العماري
رئيس نادي قضاة المغرب


