في حضرة العدالة، حيث تحتكم النصوص إلى المقاصد، وحيث يعلو صوت الدستور ليهدي المشرع طريقه، وقفت المحكمة الدستورية شامخة، حاملة بيدها ميزان القانون، وبالأخرى سيف الحِجاج. قرارها عدد 255/25 الصادر في 4 غشت 2025 بخصوص مشروع قانون المسطرة المدنية رقم 02.23، لم يكن سوى ملحمة دستورية ناطقة بروح الدستور، وحارسة لجدران النظام القانوني من أن تنفذ إليها تصدعات الخلل أو شروخ الإبهام.
المحكمة الدستورية: صوت الدستور حين يُساء فهمه
لقد برهنت المحكمة من خلال هذا القرار، على أنها ليست مجرد قاضٍ للنصوص، بل قاضٍ للروح التي تسري في عروق الدستور. لم تكتفِ بتحقيق المطابقة الشكلية بين النص القانوني والدستور، بل انتصرت للجوهر، وأعادت ترتيب أولويات التشريع، وفق تراتبية القيم الدستورية.
فهي حين وقفت في وجه بعض المواد من المشروع، لم تفعل ذلك استقواءً أو تجنيا، بل وفاءً لمبادئ العدل الدستوري، وحرصا على أن لا تكون السلطة التشريعية مطلقة اليد، تُجيز ما شاءت من مقتضيات دون أن تخضع لضوابط المحكمة العليا في هرم الدستور.
بين توازن السلط واستقلال القضاء: رصانة الاجتهاد وحكمة الرقابة
لقد انتصرت المحكمة للدستور حين قررت بعدم مطابقة المادة 17 (الفقرة الأولى) للدستور، معتبرة أن منح النيابة العامة صلاحية طلب بطلان المقررات القضائية الحائزة لقوة الشيء المقضي به دون ضوابط واضحة، يُخل بمبدأ الأمن القضائي ويُهدد يقين المتقاضين في حجية أحكامهم.
وفي بُعد رمزي ودقيق، أعادت المحكمة ترسيخ مبدأ أن القضاء لا يُلغى إلا بالقضاء، وأن سلطات الدولة، وإن تعاونت، فلا يجوز أن تتقاطع صلاحياتها على نحو يُقوض استقلال واحدة منها.
التبليغ، العلنية، والتقاضي عن بعد: عندما يُهدد الإجراء جوهر الحق
فِي نقدها للمادة 84 (الفقرة الرابعة)، والمادة 90 (الفقرة الأخيرة)، وغيرها من المواد ذات الصلة بحقوق الدفاع وعلنية الجلسات، أكدت المحكمة أن الشكل حين يمس المضمون، يغدو خطراً على جوهر الحقوق. لم تر المحكمة في التبليغ مجرد إجراء، بل بوابة لضمان الحق في الدفاع. ولم تنظر إلى الجلسات عن بُعد كوسيلة تقنية فقط، بل كفضاء يجب أن يُراعي شروط المساواة والعلنية والحضور الواعي.
القضاء فاعل تشريعي: حين تتكلم السلطة القضائية بلغة المشرع
ليس في قرار المحكمة مجرد رقابة تقنية، بل فيه اجتهاد دستوري راقٍ يعيد تشكيل النصوص وفق مبدأ التوازن بين السلطات، حيث يُصبح القضاء، لا فقط حارسًا، بل شريكًا في ترشيد العملية التشريعية.
لقد بينت المحكمة أن القضاء، من موقعه الدستوري، ليس سلطة تنفيذية للأحكام فحسب، بل سلطة معيارية، حاملة لرؤية، وقادرة على ملء الفراغات، وترتيب الأولويات، وتحديد حدود التأويل، كل ذلك في إطار احترام النص الدستوري، ووفاء لروحه.
المجاز في سياق القانون: ما بين نظم الدستور وميزان العدل
إن المحكمة الدستورية، وهي تعيد الأمور إلى نصابها، تتصرف كالشاعر في مقام القانون، تسكب من معين البلاغة القانونية حُججاً، وتضرب في عمق المفاهيم بأدوات التأويل الهادئ، فهي لا تُناطح النص بل تروضه، ولا تُقصي المشرع، بل تُهديه إلى مواطن التوازن بين الضرورة والحكمة.
خاتمة:
نؤمن أن حارس الدستور لا ينام و على ضوء ما قيل يبقى هذا القرار شاهداً على يقظة المحكمة الدستورية المغربية، ويقظة روح الدستور في عقل القاضي المفكر. وهو بيان دستوري مفاده أن القوانين ليست أوامر تُمرر، بل التزامات تُراقب، ومبادئ تُصان.
وإذا كانت العدالة قد وُصفت بأنها عمياء، فإن المحكمة الدستورية قد أثبتت أن عقلها مبصر، ولسانها مبين، وأنها — وإن لبست رداء الحياد — تملك الجرأة أن تقول للمشرع: “قف، هنا روح الدستور تُستباح”.
إسماعيل بوكيلي مخوخي عضو المجلس الوطني لنادي قضاة المغرب.


